علي بن أحمد المهائمي

173

خصوص النعم في شرح فصوص الحكم

حولها كالرحا حول القطب الذي في وسطه ، وخير الأمور أوسطها ، ( وهو فلك الشمس وفيه روحانية إدريس عليه السّلام ) لمناسبتها روحانية هذا الفلك التي هي في غاية الشرف اقتضت لكوكبها أتم الأنوار المحسوسة . ثم بين وقوعها في الوسط لقوله : ( وتحته سبعة أفلاك ) أي : كرات ثلاثة أفلاك ، وأربعة عناصر ، وقصد بذلك كونه وسط العالم كله لا الأفلاك فقط على أنه لا يصح كونه وسطا على مذهبه بالنظر فيما فوقه بدون ذلك ، إذ قال : ( وفوقه سبعة أفلاك وهو ) أي : فلك الشمس ( الخامس عشر ) بين السبعتين ، ( فالذي فوقه فلك الأحمر ) أي : المريخ ، ( وفلك المشترى وفلك كيوان ) أي : زحل ، ( وفلك المنازل ) الثمانية والعشرين ، ( والفلك الأطلس ) أي : المجرد عن النجوم ، فلك البروج ؛ لأنها مقدرة هناك مسماة بأسماء ما كان بإزائها من صور الكواكب يوم ذلك التقدير ، وإن تغير اليوم عن ذلك ، وهو صاحب الحركة اليومية ( وفلك الكرسي ) مظهر القدر ، ( وفلك العرش ) مظهر الفضاء . ولذلك جعل الكرسي مستوى الرحيم ، والعرش مستوى الرحمن ، والحكماء إنما لم يحكموا بأكثر من تسعة أفلاك ؛ لعدم وجدان الدليل العقلي على ذلك ، وإن وجدوا على أنه لا بدّ من تسعة فلا جزم لهم في جانب الكثرة ، ( والذي دونه فلك الزهرة ، وفلك الكاتب ) أي : عطارد ، ( وفلك القمر ، وكرة الأثير ) أي : النار ، ( وكرة الهواء ، وكرة الماء وكرة التراب فمن حيث هو ) أي : فلك الشمس ( قطب الأفلاك ) عليه مدار رحاها ( هو رفيع المكان ) مكانة « 1 » . وإن كان فوقه المكنة كثيرة لكن لكون المكانة ضمنية لم يعتد بها في حق إدريس عليه السّلام ، وإليه الإشارة بقوله : ( وأما علو المكانة فهو لنا ) ، ولما أوهم اختصاصه بطائفة الأولياء فسره بقوله : ( أعني المحمديين ) ، وهم وإن كانوا أدنى من سائر الأنبياء لكن لهم أن يبلغوا منزلا بواسطته صلّى اللّه عليه وسلّم لا يمكن لغيرهم ، ولو كانوا أنبياء كما أن عبد الوزير يمكنه أن يدخل مع الوزير مكانا من أماكن الأمير أي : لا يمكن لمن هو أعلى منه بنفسه . ( قال تعالى : وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ [ محمد : 35 ] ) ، قيده بعلو المكانة مع إطلاقه بقرينة ما بعده من قوله : ( وَاللَّهُ مَعَكُمْ [ محمد : 35 ] ) ، فدل على أنه معكم ( في هذا العلو ، وهو متعال عن المكان ) « 2 » ، فلا يكون هذا علو المكان ( لا عن المكانة ) رَفِيعُ الدَّرَجاتِ [ غافر : 15 ] .

--> ( 1 ) انظر : شرح الجامي على الفصوص ( ص 144 ) . ( 2 ) في نسخة : « يتعالى » .